محمد بن جرير الطبري

92

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في الأرض ، فأخرج إليه به ما أخرج من النبات . قوله : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ الآية ، كما يبقى خالص الذهب والفضة ، حين أدخل النار وذهب خبثه ، كذلك يبقى الحق لأهله . قوله : أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ يقول : هذا الحديد والصفر الذي ينتفع به ، فيه منافع : يقول : كما يبقى خالص ، هذا الحديد وهذا الصفر حين أدخل النار وذهب خبثه ، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها الكبير بقدره والصغير بقدره . زَبَداً رابِياً قال : ربا فوق الماء الزبد . وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ قال : هو الذهب إذا أدخل النار بقي صفوه ونفى ما كان من كدره ؛ وهذا مثل ضربه الله . للحق والباطل ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً يتعلق بالشجر فلا يكون شيئا مثل الباطل ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ وهذا يخرج النبات ، وهو مثل الحق ؛ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ قال : المتاع : الصفر والحديد . حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا هوذة بن خليفة ، قال : ثنا عوف ، قال : بلغني في قوله : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها قال : إنما هو مثل ضربه الله للحق والباطل ، فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها الصغير على قدره ، والكبير على قدره ، وما بينهما على قدره . فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً يقول : عظيما ، وحيث استقر الماء يذهب الزبد جفاء فتطير به الريح ، فلا يكون شيئا ، ويبقى صريح الماء الذي ينفع الناس منه شرابهم ونباتهم ومنفعتهم . أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ومثل الزبد كل شيء يوقد عليه في النار الذهب والفضة والنحاس والحديد ، فيذهب خبثه ويبقى ما ينفع في أيديهم ، والخبث والزبد مثل الباطل ، والذي ينفع الناس مما تحصل في أيديهم مما ينفعهم المال الذي في أيديهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ قال : هذا مثل ضربه الله للحق والباطل . فقرأ : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً هذا الزبد لا ينفع ، أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ هذا لا ينفع أيضا ، قال : وبقي الماء في الأرض فنفع الناس ، وبقي الحلي الذي صلح من هذا ، فانتفع الناس به . فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ وقال : هذا مثل ضربه الله للحق والباطل . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها قال : الصغير بصغره ، والكبير بكبره . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا طلحة بن عمرو ، عن عطاء : ضرب الله مثلا للحق والباطل ، فضرب مثل الحق كمثل السيل الذي يمكث في الأرض ، وضرب مثل الباطل كمثل الزبد الذي لا ينفع الناس . وعنى بقوله رابِياً : عاليا منتفخا ، من قولهم : ربا الشيء يربو ربوا فهو راب ، ومنه قيل للنشز من الأرض كهيئة الأكمة : رابية ؛ ومنه قول الله تعالى : اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ . وقيل للنحاس والرصاص والحديد في هذا الموضع : المتاع ، لأنه يستمتع به ، وكل ما يتمتع به الناس فهو متاع ؛ كما قال الشاعر : تمتع يا مشعث إن شيئا * سبقت به الممات هو المتاع وأما الجفاء فإني : حدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ، قال : قال أبو عمرو بن العلاء ، يقال : قد أجفأت القدر ، وذلك إذا غلت فانصب زبدها ، أو سكنت فلا يبقى منه شيء . وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن معنى قوله : فَيَذْهَبُ جُفاءً تنشفه الأرض ، وقال : يقال : جفا الوادي وأجفى في معنى نشف ، وانجفى الوادي : إذا جاء بذلك الغثاء ، وغثى الوادي فهو يغثى غثيا وغثيانا . وذكر عن العرب أنها